المقريزي
59
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
الناس طول ليلتهم يمشون من كلّ واحد من الجامعين إلى الآخر بغير مانع لهم ، ولا اعتراض من أحد من عسس القصر ، ولا أصحاب الطوف إلى الصبح . وصلّى فيه الحاكم بأمر اللّه بالناس صلاة الجمعة ، وهي أوّل صلاة أقيمت فيه بعد فراغه . وفي ذي القعدة سنة أربع وأربعمائة حبس الحاكم عدّة قياسر وأملاك على الجامع الحاكميّ بباب الفتوح . قال ابن عبد الظاهر : وعلى باب الجامع الحاكميّ مكتوب أنّه أمر بعمله الحاكم أبو عليّ المنصور في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، وعلى منبره مكتوب أنه أمر بعمل هذا المنبر للجامع الحاكميّ المنشأ بظاهر باب الفتوح في سنة ثلاث وأربعمائة ، ورأيت في سيرة الحاكم ، وفي يوم الجمعة أقيمت الجمعة في الجامع الذي كان الوزير أنشأه بباب الفتوح . ورأيت في سيرة الوزير المذكور ، في يوم الأحد عاشر رمضان سنة تسع وسبعين وثلاثمائة خط أساس الجامع الجديد بالقاهرة خارج الطابية مما يلي باب الفتوح . قال : وكان هذا الجامع خارج القاهرة ، فجدّد بعد ذلك باب الفتوح ، وعلى البدنة التي تجاور باب الفتوح وبعض البرج مكتوب : إنّ ذلك بني سنة ثلاثين وأربعمائة في زمن المستنصر بالله ، ووزارة أمير الجيوش ، فيكون بينهما سبع وثمانون سنة . قال : والفسقية وسط الجامع بناها الصاحب عبد اللّه بن عليّ بن شكر وأجرى الماء إليها ، وأزالها القاضي تاج الدين بن شكر ، وهو قاضي القضاة في سنة ستين وستمائة ، والزيادة التي إلى جانبه قيل إنها بناء ولده الظاهر عليّ ولم يكملها ، وكان قد حبس فيها الفرنج فعملوا فيها كنائس ، هدمها الملك الناصر صلاح الدين ، وكان قد تغلب عليها وبنيت إصطبلات . وبلغني أنها كانت في الأيام المتقدّمة قد جعلت أهراء للغلال . فلما كان في الأيام الصالحية ووزارة معين الدين حسن بن شيخ الشيوخ للملك الصالح أيوب ولد الكامل ، ثبت عند الحاكم أنها من الجامع ، وأن بها محرابا ، فانتزعت وأخرج الخيل منها وبني فيها ما هو الآن في الأيام المعزية على يد الركن الصيرفيّ ، ولم يسقف . ثم جدّد هذا الجامع في سنة ثلاث وسبعمائة . وذلك أنه لما كان يوم الخميس ثالث عشري ذي الحجة سنة اثنتين وسبعمائة ، تزلزلت أرض مصر والقاهرة وأعمالهما ورجل كلّ ما عليهما واهتز ، وسمع للحيطان قعقعة ، وللسقوف قرقعة ، ومارت الأرض بما عليها وخرجت عن مكانها ، وتخيل الناس أن السماء قد انطبقت على الأرض ، فهربوا من أماكنهم وخرجوا عن مساكنهم ، وبرزت النساء حاسرات ، وكثر الصراخ والعويل ، وانتشرت الخلائق فلم يقدر أحد على السكون والقرار لكثرة ما سقط من الحيطان ، وخرّ من السقوف والمآذن وغير ذلك من الأبنية ، وفاض ماء النيل فيضا غير المعتاد ، وألقى ما كان عليه من المراكب التي بالساحل قدر رمية سهم ، وانحسر عنها فصارت على الأرض بغير ماء ، واجتمع العالم في الصحراء خارج القاهرة وباتوا ظاهر باب البحر بحرمهم وأولادهم في الخيم ، وخلت المدينة وتشعثت جميع البيوت حتى لم يسلم ولا بيت من سقوط أو تسقط أو ميل ، وقام الناس في الجوامع يبتهلون ويسألون اللّه سبحانه طول يوم الخميس وليلة الجمعة ويوم الجمعة .